2013-10-01 ريحانة

تهاني الصبيحة: أريد إصدار ديوان واحد يرفع رأسي

اكتشفتْ الشعر باكرا، قراءةً وحفظاً وكتابة، أصدرتْ أول أعمالها في المجال السردي، رواية بعنوان (وجوه بلا هوية)، تحضر مفردة (مفيد) و(مهم) في الحوار معها، كما لو أنها أحد قناعاتها الأدبية العميقة. إن الأدب من أجل هدفٍ سامٍ، وليس من أجل العبث والتسلية. تقول (أنا، بكل المقاييس،  ضد ترويج الأدب بلغة مبتذلة). هنا نصّ حوار ريحانة مع الشاعرة والكاتبة السعودية تهاني الصبيحة.

 

كيف تعرّفينا على نفسك.

أنا ضد تعريف المرأة لنفسها، أرى بأنك عندما تطلب من شخص تعريف سيرته الذاتية هناك حالة وأد.

سيرتي الذاتية يعبر عنها ما أكتبه للناس، هنا تصبح سيرتي الذاتية ناصعة وواضحة. لا تُؤخذ السيرة الذاتية من عدد المؤتمرات أو الاصدارات، التي قد تكون اصدارات خاوية لا قيمة لها ولا معنى، إنما تؤخذ السيرة الذاتية بما قدمناه للمحيطين بنا وبما عبرناه لما كتبناه لا يستطيع الاخرون التعبير عنه أو يقولونه. سيرة متواضعة جدا تستطيع قراءتها بين الأوراق الموجودة.

بدأت الكتابة منذ أكثر من 25 سنة، طفلة تحب أن تكتب الشعر و تحفظه لم تكن تعرف بأن هذه الطاقة الجميلة سوف تخرج في يومٍ ما أو أنها ستُكتب في يوم، كنت اكتفي بالقراءة و الحفظ. الحمدلله أصدرت رواية ووفقت في أن أكون شخص له قيمة بين مقيّدي المعاجم كمعجم أدباء أو شعراء الأحساء وكتاب شاعرات من السعودية لسارة الأزوري. وفقت لأن يضعني الآخرون موضع اهتمام لا أقول أني لا أستحقه لكنه في النهاية مجموعة آراء ورؤى.


عتب شديد من الأدباء


كيف نمت موهبتك الشعرية وكيف اكتشفتِها؟

في البداية كانت في المدرسة مع الزميلات. كنا نشارك في الإذاعة المدرسية والحفلات ذات الطابع العالمي مثل فلسطين ويوم القدس، كنت أقف على المنصة لألقي الشعر وكان تصفيق الطالبات يثير نشوة لعلها فتيل استطاع أن يُذكي الحماس بداخلي، فهذا الفن الذي أعشقه وأتأمل فيه لماذا لا أخطو خطوة جريئة بأن أكتب كما أقرأ وأحفظ. كانت القصائد الأولى تحمل الجانب الديني لعل ما يحاكي الروح هو أول ما ينفذ الوجدان بالنسبة للانسان، عن تهذيب للروح والرقي بعدها تدرجت بالكتابة نحو الرثاء.

دخلت عالم الرواية وقوبلت بعتب شديد من الأدباء لأني ظهرتُ برواية ولم أظهر بديوان. سبق وقلت في لقاء سابق مع إذاعة الرياض أن الهدف من كتابة الرواية ليست الشهرة ولا استقطاب الجمهور ولكن كان الهدف الأسمى هي إيضاح فكرة ربما لا أستطيع ايضاحها بقصيدة من الشعر. الرواية مجال مفتوح تستطيع أن تُعبّر فيه بكلامٍ كثير ولكن الشعر اختصار ولا يفهمه الكثيرون.


هل خرجت باسمك الصريح أم باسم مستعار؟

أنا ضد الاسم المستعار كل الأهل بدءً من الوالد رحمة الله عليه وإخواني، وانتهاءً بزوجي ضد أن يكون لي اسم مستعار أظهر فيه لأني لم أرتكب عيباً ولا أتوارى خلف ستار أو جدارٍ معين، أنا واضحة في تعابيري وعندي كل الثقة بأن ما أقوله شيء يجب أن يقال.

 

اجتزتُ مرحلة التصويب


من صقل لديكِ موهبة الشعر؟

التشجيع موجود من أطراف كثيرة. الصديقات هن أول مجموعة كانت تصفق وتشجع وتبدي حالة الانبهار والسعادة. صحيح كان شعراً أعرج غير مستقيم ولم يكن فيه مقومات الجمال التي أنشدها في هذه الفترة لكن تشجيعهن لي تحفيز كبير ثم بعد ذلك تدرجت وعرضت قصائدي لمجموعة من الشعراء الأحسائين. في المشاركة في المجالس بكتابة قصائدنا كان يطّلع عليها شعراء أحسائيين لهم مجد يمتدحون ويشجعون ومنهم أستاذ محمد الحرز الناقد حاليا، ومساندة قوية من أستاذ جاسم محمد العساكر والأستاذ جاسم الصحيح هي مجرد رأى تصحيح مسار وليست تصويب و-الحمدلله- اجتزتُ مرحلة التصويب إلا فيما قل من الألفاظ والمفردات لكن هناك نوع من الآراء التي تعلق على النص قبل أن يظهر للناس او الجمهور.


ماهي قراءاتك منذ الصغر وحتى الآن؟

قرأت لشعراء كثيرين. لا أغفل ولا أخفي عليك أني أحببت عنتر العبسي وقرأت له على الرغم من أن شعره صعب وأبياته موغلة في اللغة الجاهلية القديمة. قرأت لحسان بن ثابت وحفظت معظم قصائده في مدح الرسول (ص)، قرأت للمتنبي والفرزدق وأحتفظ بدواوينهم، قرأت للجواهري والشيخ أحمد الوائلي، وقرأت لنزار قباني، لغته سهلة ممتنعة وكانت قريبة من قلوبنا كفتيات في المرحلة المرحلة المتوسطة والثانوية، لكن انتقيت ما أقرأ، وذوقي بعيد عن التفسخ والابتذال.

للأسف ما أجده أن روائيي وروائيات هذه الفترة الزمنية صاروا يكتبون كلام غير لائق ليروجوا للبضاعة وفي ظني أنها بضاعة مزجاة ليست لها قيمة. أنا-بكل المقاييس- ضد ترويج الأدب بلغة مبتذلة، ضد الحب الذي يتحدث عن حب الماديات والجنس والتعري، أنا مع الحب العذري مع الحب الراقي مع اللغة العفيفة.


الأحساء تمنح طاقة إيجابية


الأحساء تزخر بشعراء وشاعرات فما السبب؟

الأحساء –قبل كل شيء- واحة، النخلة والماء تعطيك طاقة إيجابية وقوة للكتابة. نقطة أخرى نحن أمةُ بيان، عرب أو قبائل بنو عبدالقيسية أمة الأدب والشعر والفصاحة، لذا ليس من الغريب أن تزخر الأحساء بالشعر والشاعرات.

مع هذا، أنا ضد الكثرة من دون فائدة. البعض يتاجر والبعض يفاخر والآخر يتباهى، وهناك من يسعى وراء الشهرة. القليل من يعطيك لغة جميلة وهدف سامي وراقي.


المرأة والشعر، كيف تصفين هذه العلاقة؟

نحن كنساء-إذا تكلمتُ بلغةٍ شفيفة- نعاني من ندرة الوقت. لا بد من إعطاء نفسك وقت وفرصة، وحجم المساعدة التي يقدمها لك زوجك -مع احترامي لأبي حسن- جيدة لكن ليستْ بالشكل التي تتيح لك مدىً واسع. المرأة هنا لا تقبل لنفسها أن تعتزل في زاوية مثل ما يفعل اخواننا الرجال وياخذ فرص بعيدة طويلة ولا يحضر مناسبات لأنه مشغول في في نحت نص.

تعاني المرأة في الكتابة معاناة غير قليلة، عندما يوجه لي السؤال أين الديوان؟ لديّ نصوص كثيرة لكني لست راضية عنها تمام الرضا بحيث أسمح لها بالخروج –بعد هذا العمر كله - أنا ضد أن أصدر خمسة دواوين وفي النهاية أربعة منهم محرجين بالنسبة لي، أريد أن أصدر ديوان واحد وأنا مرفوعة القامة، يرفع رأسي على الاقل امام اخلاص الأدباء والمثقفين, أتحدّث عن الخواص أصحاب الذائقة الراقية.

موقف المرأة من الشعر يحتاج إلى قوة ومقاومة للظروف، لا أنصح بالتوقف إذا تزوجت، النص موجود في ذهني عندي رغبة في أن أكتبه –حتى وأنا أفرد عجينة البيتزا- و يظهر و يقرأه الناس لا أن يموت من اللحظة التي ظهر فيها المطلع.

 

اختارت أن ترحل مع طفليها


رثاؤك لعقيلة الشيخ ياسين لاقى صيت كبير جدا ما قصته؟

علاقتي مع المرحومة معصومة علاقة استثنائية. معصومة تنظر لي نظرة اكبار، هي ليست من الصديقات المقربات لكنها تنظر لي كشخصية عملاقة وعظيمة وكبيرة وما إلى ذلك من الألقاب والمسمّيات، مع أني أتعامل معها معاملة في غاية الذوق وقمة الحميمية ولا يوجد بيننا حواجز.

 هي تحب الكلام الجميل والشعر، فجأة بدون سابق انذار اتصلت بي إحدى الأخوات بينما أتسوق، أخبرتني أن معصومة الياسين ماتت، للوهلة الأولى ظننته حادث ولا أخفي عليك شعرتُ بانهيار سريع في جسمي ورعشة في البدن وحالة إنكار.

ذهبت لموقع الحدث، حيث الدخان المتصاعد ورأيت المنظر شهقتُ شهقة كادت روحي تخرج منها. معصومة ماتت وهي تستغيث، و هي تطلب النجدة كانت تطلب النجدة من يوسف اليحيى عبر الهاتف ومن الأشخاص الموجودين في البيت. لم يعرف أحد الطريقة المثلى لإخراجها ووصلني خبر أن معصومة كادوا ينقذوها لأنها كانت قاب قوسين من الباب لكنها رفضت أن تخرج دون طفليها وفضلت أن تموت برفقتهما، عندما تتأمل في القصة ترى جانب عميق من التضحية عميق، في مثل هذه اللحظات الانسان لا يملك إلا روح لكن معصومة في هذه اللحظة تحكمت بروحها وروح طفليها فاختارت من الله تعالى أن ترحل روحها وروح طفليها معها.

ونقطة أخرى أن تُقتَل أو تموت بهذا الشكل البشع مؤلم صراحة صحيح هي إرادة الله وأنا لا أتعالى على إرادة الله، أدرك أن  نظرة الشاعر إلى طريقة الموت نظرة مختلفة عن الآخرين فعلا كانت وردة حتى هذه اللحظة.

 المراثي العامة في الحياة عندما نرثي أعزاء علينا فنحن نرثيهم بلغة الوجع ولغة الحزن ولغة الفراق والشوق والحاجة إلى رؤيتهم، أنا لم أرثِ معصومة كي ألقاها، فلقائي بمعصومة كان قليلاً في حياتي، أنا رثيت معصومة لأني أعتقد أن عالم النساء فقد وردة رحلت من عالم الدنيا وهي حية لم يعتريها الذبول لم تخف نداوتها كانت محتفظة بقطرات الندى على الأوراق، كانتْ قصيدة الرثاء 23 بيتاً بعدد سنين عمره.

قصيدة معصومة خرجت مني لتعبر عن حجم الفجيعة، فدخلت إلى قلوبكم –رجالاً ونساء- لأنه كان واقعا صادقا، وبلغني أن سماحة الشيخ عندما قرأ النص طلب أن يختلي بنفسه ففهمتُ أن القصيدة كان لها تأثير عميق في قلبه.


كيف تجدين المرأة الخليجية في الابداع الشعري؟

مجتمع النساء الخليجيات يضم قامات عالية لا يمكننا إغفالها. في البحرين، إيمان دعبل قامة شعرية مبدعة ومذهلة تستحق الوقوف والتأمل، إن جئنا للكويت هناك دلال البارود وهناك أسماء مميزة أرى أن الآفاق مشرعة لهن أكثر منا في السعودية، حيث الدولة فتحت المجال للمرأة لتشارك في المؤتمرات الأدبية والثقافية وأنْ تُلقي القصائد وتظهر على شاشات التلفاز وتعِّبر عن رأيها.


خبايا "وجوه بلا هوية"


ما هي مطبوعاتك وهل هناك ديوان قادم؟

أعد الديوان منذ خمس سنوات. وروايتي موجودة تناولت فيها قصة معاناة امرأة. الحالة المكانية كانت تركز على القرية –هي بالتحديد القرية التي قمتُ فيها بوظيفة التدريس-  خلال لقاءاتي بالفتيات والأمهات والأطفال استطعتُ أن أستشف بعض الخبايا الموجودة في نفوس هؤلاء القابعات خلف ستار الألم والوجع ومن خلال هذا الاستشفاف ربطت أحداث حياتية مررتُ بها ولامستها عن كثب لأظهر قصة امرأة عانت في أجواء عاطفة الزواج، وتناولت جناية المجتمع من ناحية التعليم.

وردتني عبارة أن الرواية تستحق التقدير لكونها رواية عفيفة والعفة تندر هذه الأيام في كتاباتنا تقريبا أنا لا أجني طبعا على مجتمعنا -مجتمع الشرقية- ولكن صارت عملية الكتابة كتابة ترويجية أكثر مما فيها هدف، قيم، أو سموّ.


ما اسم الرواية؟

وجوه بلا هوية.


ماذا عن ديوان الشعر؟

لدي ديوان مخطوط بعنوان (كانت هنا) ولدي مجموعة من القصائد ليست بالقليلة لقيتْ الاهتمام، وشاركتُ بها في جوائز ومسابقات على مستوى الخليج العربي مثل سدرة وبردة ومسابقة رئة الوحي عن شخصية الرسول (ص) و توجد لدي نصوص متفرقة في مناسبات عديدة.


كثافة في الاصدارات الرديئة


كيف تصفين الحركة النقدية للأدب النسائي عموما وتحديدا الشعر؟

اعذرني لو قلت لك نحن نصفق لبعضنا. هناك مجاملات كثيرة ويهنيء البعض البعض الآخر، أنت مبدع، وأنتِ مبدعة. إني أتساءل في حيرة أين هو الإبداع  وقد يكون النص في النهاية سيء وخاوي من المعاني والقيم.

مع الأسف الشديد لا زال الرجل ينقد المرأة و يراعي مشاعرها، وتوجد نساء يُرِدْنَ المديح ويرفضن النقد، وتجربتي مع الأستاذ عندما أراد أن ينقد الشعر، كان يقدم اعتذارات كثيرة في مقدمة نقده، وكنت أقول له لا تعتذر مني، أنا لجأت لك لتسدّدني وتصوِّبني وتقوّمني. القصد هو الوصول إلى الجوهر، والارتقاء بالقيمة، وليس التصفيق والكلام المؤثر والكذب.

الحركة النقدية عندنا لو كانت حية وقوية ما حدثت هذة الكثافة في الكتب وهذه الاصدارات الغريبة – تحوي كلام فارغ المعنى، شعر معوج، تداخل في الألفاظ من غير ترابط لا في جمال الكلمات ولا سياق في النص- وحتى دور النشر للأسف صارتْ تطبع وتنشر الخواطر، ما جدواها لنا ولأجيالنا؟


هل مازالتْ هناك قيود يفرضها المجتمع السعودي تحد من حركة المبدعات؟

لنكن صريحين ففي الأحساء لا يخلو الأمر من تعنت أكثر من القطيف والدمام، لا يزال البدوي يتحفظ على اسم زوجته وأمه وأخته.

 وحتى الأجيال الجديدة نقلت لهم رواسب موجودة لدى الأهل ولبعض الأسر، لدينا كاتبة مبدعة نشر لها النادي الأدبي قصة أو رواية يقول النادي أن هذه الكاتبة لا نعرف لها صوت، وكل التعامل مع والدها، فهو الذي يتصل، نذكر له الأخطاء، نشير عليه بتصويب مفردة وما إلى ذلك. لا أجرؤ أن أصمهم بالتخلف، هذه وجهة نظرهم على أية حال، لكن في ذات الوقت، يشعرني هذا بالوجع من أجل فتاة تشق طريقها للتو في الابداع، فتقيّدها ونضع لها أسوار، بينما البديل أن نضع عقولنا كميزان في التعامل، والحلال بيّن والحرام بيّن وواضح. 

 

النساء مقلاّت في الظهور

هل بإعتقادك أن المرأة السعودية المبدعة نالت نصيبها من الفرص الإعلامية للبروز؟

لا لم تنل للأسف الشديد النصيب الوافي، التسليط على الرجال أكثر منه على النساء. لكن دعني أوضح شيئاً، نحن النساء مقلاّت وميولنا الفكرية ليستْ بتلك القوة. أما الرجال فلديهم ما يشبه التسابق والحماس على إذكاء عقولهم واكتساب كل ما هو جديد ومفيد.

أما نحن فنعلِّق هذه المشاكل على شماعة الرجل، فهو الذي لا يقبل، لكننا أعطيناه مبررات هذا التصوّر. ومن ناحية نجدالرجل على الرغم من كونه متزوجاً ومدرّساً أو موظفاً هو أيضاً شاعر، يتميز باللطف والحميمية مع عائلته ويؤدي أدواره في الحياة، ويمارس هوايته في الكتابة.


إلى ماذا تطمحين في مشوارك الشعري؟

أطمح بأن أترك إرثاً لأولادي. لا أريد لهم أن يكبروا ويأخذهم العالم بكل ما فيه من متغيرات. أطمح أن يكون لهم تراث جميل يطّلعون عليه، يقرأونه، ويرون أنفسهم فيهم. الجمال الحقيقي أو الإبداع الحقيقي أن أضع لغة أو أسلوب وثروة أدبية يستطيع الآخرون أن يستفيدوا منها..

مواضيع ملف العدد